القاضي عبد الجبار الهمذاني
17
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن إثبات المعاني بالأقوال والأسماء لا يصح ، لأن الواجب إثباتها بالطريق الّذي تثبت منه ، ثم يعبّر عنها . ومتى لم تعلم أولا لم تصح من المتكلم العبارة عنها ، ولا أن يفهمها غيره بالعبارة ، فكيف يمكن التوصل إلى إثبات ما ادعوه بالعبارات ؟ . وبعد . فلا يخلو فيما أوردته من أن يدعى على العقلاء العلم بهذا المعنى في النفس باضطرار ، فلذلك قالوا فيه هذا القول . فإن كان كذلك فيجب أن نشاركهم في هذا العلم ، وأن نطرح التعلق بعباراتهم . وإن علموه بالدليل فيجب إيراد الدليل وإلغاء العبارة ، وذلك يبين إبطال ما تعلق به . على أن غرضهم بقولهم : « في نفسي كلام » : أنى عالم بأمر أريد / أن أبديه لك بالخطاب ، وأنا عازم عليه . وإذا بحثت عن هذا الأمر وجدته كما ذكرناه . وكما يقال ذلك فقد يقال : في نفسي بناء دار ، وكتب كتاب ، ودخول بلد . ولا يوجب كون ذلك معاني في النفس . ومتى تأوّلوا هذا القول منهم على العلم أو الإرادة أو الفكر تأوّلنا عليه ما ذكروه . وكذلك قولهم : في نفسه كلام يخفيه . المراد به ما قدّمناه . ولذلك يقال : قد أبدى ما في نفسه . ولو كان معنى في النفس لم يصح إظهاره في الحقيقة ، وذلك يبين أن مرادهم ما قلناه . وقوله سبحانه : ( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) « 1 » فليس فيه أكثر من أن قولهم ليس في القلب ، ولا يدل على إثبات قول في القلب . وإنما أراد تعالى بذلك أنهم أظهروا خلاف ما أضمروه ، وادّعوا على قلوبهم ما ليس فيها . وإنما يقال : فلان يتكلم ، وإن كان ساكتا ، بمعنى أنه ممن يوافقه الكلام ولا يصعب عليه إيراد ما في النفس .
--> ( 1 ) الآية 11 من سورة « الفتح » .